تاريخ النشر: 23/07/2026 | عدد الزيارات: 61

نظم المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، يوم الأربعاء 22 جويلية 2026، ندوة حوارية رفيعة المستوى حول « مشروع القرن: خط السكة الحديدية الجزائر – تمنراست»، بمقر المدرسة الوطنية للإدارة، أشرف على افتتاح أشغالها رئيس المجلس، البروفيسور محمد بوخاري، بحضور مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالشؤون الاقتصادية، السيد فريد كورتال، والسيدة الوزيرة المحافظة السامية للرقمنة مريم بن مولود، والمدير العام للجمارك، اللواء عبد الحفيظ بخوش، ورئيس الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات، البروفيسور محمد هشام قارة، والمدير العام للمدرسة الوطنية للإدارة، البروفيسور عبد المالك مزهودة، إلى جانب ممثلين عن عدد من الوزارات، والمؤسسات والهيئات العمومية، والمؤسسات الوطنية، وكوكبة من الخبراء والجامعيين وممثلي المجتمع المدني.

وخُصصت هذه الندوة الحوارية لدراسة مختلف أبعاد "مشروع خط السكة الحديدية الجزائر – تمنراست"، باعتباره مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا يندرج ضمن الرؤية التنموية الرامية إلى تعزيز التكامل الوطني والانفتاح على العمق الإفريقي. واعتمدت الندوة مقاربة تشاركية جمعت ممثلي السلطات العمومية، والمؤسسات الوطنية، والخبراء، والجامعيين، بهدف استشراف شروط نجاح المشروع وتعظيم آثاره الاقتصادية والاجتماعية والبيئية واللوجستية والجيوستراتيجية.

وفي كلمته الافتتاحية، أكد رئيس المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، البروفيسور محمد بوخاري، أن هذه الندوة المخصصة لـ«مشروع القرن»، والمتمثل في خط السكة الحديدية الجزائر – تمنراست، تتناول مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا تتجاوز دلالاته مجرد إنجاز بنية تحتية كبرى، ليجسد رؤية هيكلية تهدف إلى إنشاء فضاء تنموي متكامل، يخدم التماسك الوطني ويعزز التعاون الإفريقي.

وأوضح أن التجارب الدولية أثبتت أن مشاريع البنى التحتية الكبرى لا تمثل مجرد إنجازات هندسية، وإنما تشكل خيارات استراتيجية تعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للدول، وتفتح آفاقًا جديدة للنمو والتنمية. فالطرق، والسكك الحديدية، والموانئ، والممرات اللوجستية، شكلت عبر التاريخ روافع أساسية للتحولات الاقتصادية، وتعزيز الاندماج الوطني، وفتح آفاق أرحب للتنمية.

وأضاف أن مثل هذه المشاريع تعكس قناعة راسخة مفادها أن الجغرافيا ليست معطى ثابتًا، وإنما رصيد استراتيجي يمكن توظيفه لخدمة التنمية واستباق التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم. وفي ظل التطور المتسارع لسلاسل الإمداد العالمية، والممرات التجارية، وشبكات الربط الإقليمي، أصبحت البنى التحتية الاستراتيجية عاملًا حاسمًا في تعزيز القدرة التنافسية للدول، وترسيخ مستقبلها الاقتصادي، وتعزيز سيادتها، وتثبيت مكانتها ضمن المبادلات الإقليمية والقارية.

وأشار رئيس المجلس إلى أن مشروع خط السكة الحديدية الجزائر – تمنراست يندرج ضمن هذه الرؤية باعتباره مشروعًا هيكليًا يجسد الرؤية العميقة والمتكاملة والاستشرافية التي يحملها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، والقائمة على أن الاستثمار في البنى التحتية هو، قبل كل شيء، استثمار في مستقبل الوطن، وفي قدرته على تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز تنافسيته، وترسيخ مقومات سيادته الاقتصادية.

كما شدد البروفيسور محمد بوخاري على أن المسؤولية الجماعية تقتضي مواكبة هذه الرؤية الطموحة من خلال تقديم تحليلات علمية رصينة، واقتراحات عملية، وإرساء حوار بنّاء يجمع المختصين، والفاعلين المؤسساتيين، والجامعيين، وممثلي المجتمع المدني، بما يسهم في مرافقة تنفيذ هذا المشروع الوطني الاستراتيجي.

وأكد أن هذه الندوة تهدف إلى إثراء نقاش موضوعي حول مختلف الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية واللوجستية والجيوسياسية للمشروع، واستشراف شروط نجاحه وتحقيق كامل آثاره التنموية، إلى جانب بلورة توصيات عملية تثري السياسات العمومية، وتدعم تنفيذ المشروع وتحقيق أهدافه.

وجمعت الندوة نخبة من الخبراء والجامعيين والمسؤولين التنفيذيين لبحث المقاربات الاستراتيجية والتقنية واللوجستية والمؤسساتية الكفيلة بتجسيد هذا الممر القاري، وتحويل الموقع الجغرافي للجزائر إلى ميزة تنافسية هيكلية تخدم التنمية الوطنية والاندماج الإقليمي. وقد تميزت المداخلات بعمقها العلمي، ورؤيتها الاستشرافية، وحرية الطرح، حيث عرض المشاركون تحليلاتهم بكل استقلالية، في مناخ طبعته الشفافية، بما أضفى على النقاش طابعًا علميًا رصينًا.

وشارك في تنشيط أشغال الندوة كل من الأستاذ يوسف عيبش، الأكاديمي والباحث، والسيد عبد الهادي مزياني، المدير العام للحركية واللوجستية بوزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل، و الأستاذ حاج محمد بنية، الأكاديمي والباحث، و الأستاذ  فارس بوباكور، الأكاديمي والباحث، والسيد سمير يايسي، نائب رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، والأستاذ عبد المجيد قدي، نائب رئيس المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

وفي هذه المناسبة، قدم السيد عبد الهادي مزياني عرضًا حول الخصائص الرئيسية للمشروع، موضحًا أن خط السكة الحديدية يمتد على طول 2006 كيلومترات، وقد صُمم لاستقبال قطارات تسير بسرعة تصل إلى 220 كيلومترًا في الساعة. ويربط المشروع بين الجزائر العاصمة وتمنراست، مرورًا بولايات البليدة، المدية، الجلفة، الأغواط، غرداية، المنيعة، وعين صالح، قبل الوصول إلى تمنراست. كما أوضح أن المشروع يعتمد على مقاطع دخلت حيز الخدمة، وأخرى توجد قيد الإنجاز، إضافة إلى مقاطع استُكملت بشأنها الدراسات التقنية.

وفي هذا السياق، تناولت النقاشات البعد الجيوستراتيجي وتهيئة الإقليم، باعتبارهما رافعتين تمكّنان الجزائر من تجاوز المقاربة المتوسطية التقليدية وتعزيز تموقعها في عمقها الإفريقي، من خلال تثمين ميزتها الجغرافية وترسيخ مكانة مدينة تمنراست كقطب إقليمي يربط القارة الإفريقية بأوروبا، في إطار دبلوماسية إنجاز قائمة على الموثوقية والمصداقية.

كما تطرقت الندوة إلى البعد اللوجستي، مبرزة أن المشروع سيمكن من خفض تكلفة نقل الثروات الطبيعية والمعادن الثقيلة إلى ما يقارب ربع تكلفة النقل البري. كما ميزت المناقشات بين الجدوى الاقتصادية لنقل البضائع والمردودية الاجتماعية لنقل المسافرين، وفق منطق  »الصبر الاستراتيجي « الذي يسمح بظهور أقطاب حضرية واقتصادية جديدة على امتداد مسار الخط.

وعلى الصعيد التقني، أكدت المناقشات جاهزية الكفاءات الوطنية وقدرتها على مواجهة التحديات المرتبطة بدرجات الحرارة المرتفعة وزحف الرمال، بالاستناد إلى الخبرة المكتسبة في إنجاز خط السكة الحديدية غارا جبيلات، وهو ما يعكس مستوى النضج الذي بلغته المؤسسات الوطنية في إنجاز المشاريع الاستراتيجية الكبرى.

وأبرز الأستاذ فارس بوباكور أن هذه البنية التحتية ستسهم في مرافقة الانتقال نحو منظومة نقل أكثر اعتمادًا على السكك الحديدية، بما يحسن الأداء العام للمنظومة اللوجستية الوطنية. وأوضح أن النقل بالسكك الحديدية سيخفض بصورة معتبرة تكاليف نقل المنتجات المنجمية والمواد الثقيلة والإسمنت والمنتجات الفلاحية، كما سيدعم تنمية السياحة من خلال توفير وسائل نقل أكثر أمنًا وانتظامًا وراحة، فضلًا عن مساهمته في فك العزلة عن العديد من المناطق وتعزيز الترابط بينها.

ومن جانبه، اعتبر الأستاذ يوسف عيبش أن هذا الخط الحديدي يشكل نموذجًا جديدًا لتهيئة الإقليم والتنمية المجالية، مؤكدًا أنه سيسهم في إنشاء ممر استراتيجي يولد ديناميكيات اقتصادية جديدة، ويدعم تنمية المدن الصحراوية، ويحسن الخدمات اللوجستية، ويعزز مسار التنمية المستدامة في ولايات الجنوب.

وفي عرض تناوله للأبعاد الاقتصادية للمشروع، أكد السيد سمير يايسي أن هذه البنية التحتية ستسهم في تقليص التكاليف اللوجستية وتقليص آجال نقل البضائع، التي ستنتقل من عدة أسابيع إلى بضعة أيام فقط، مشيرًا إلى أن تحسين موثوقية خدمات النقل من شأنه تعزيز القدرة التنافسية للمؤسسات الوطنية، وتسهيل ولوج المنتجات الجزائرية إلى الأسواق الإفريقية.

كما تناول المشاركون الدروس المستخلصة من التجارب الدولية، إلى جانب تطلعات الجهات الممولة، مؤكدين ضرورة إرساء حوكمة مستقرة، واعتماد نموذج اقتصادي وتجاري قابل للاستدامة قبل دخول المشروع حيز الخدمة، فضلاً عن إنشاء إطار مؤسساتي متكامل ينسق بين السياسات العقارية والاستثمارية منذ المراحل الأولى للمشروع، مع ضمان التمويل القانوني والمالي المستدام لعمليات الصيانة ابتداءً من مرحلة التصميم.

وفي هذا السياق، أكد الأستاذ عبد المجيد قدي أن القوى الاقتصادية الكبرى، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، اعتمدت في جانب كبير من نهضتها الاقتصادية على استثمارات ضخمة في شبكات السكك الحديدية، التي أصبحت بنى تحتية استراتيجية تخدم النمو الاقتصادي، وتحقق التكامل بين الأقاليم، وتربط الأقطاب الصناعية والفلاحية واللوجستية. وأوضح أن هذه التجارب الدولية تؤكد بجلاء الأهمية الاستراتيجية لمشروع خط السكة الحديدية الجزائر – تمنراست.

ونتيجة للمناقشات خلال الندوة استخلص أن هذا المشروع يمثل مشروع أمة بامتياز، من شأنه إعادة رسم الخريطة الاقتصادية والديموغرافية للجزائر، حيث أكد المشاركون أن أثره يتجاوز بكثير بعد النقل، ليصبح رافعة هيكلية لتعزيز السيادة الوطنية، وتحقيق التنمية المستدامة، ودعم الاندماج الاقتصادي، مع ترسيخ مكانة الصحراء الجزائرية كفضاء للإنتاج والاستثمار والانفتاح على الأسواق الإفريقية.

كما أبرزت أشغال الندوة الأهمية الاستراتيجية لـ "مشروع القرن: خط السكة الحديدية الجزائر – تمنراست "، باعتباره مشروعًا يتجاوز مفهوم البنية التحتية التقليدية، ليصبح رافعة اقتصادية وقارية ومحركًا للتنمية المستدامة والسيادة الاقتصادية على المستوى الإفريقي.

وفي ختام أشغال الندوة، جدد رئيس المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي التأكيد على أن مشروع خط السكة الحديدية الجزائر – تمنراست يجسد قرارًا استراتيجيًا يعبر عن إرادة الجزائر في تثمين موقعها الجغرافي وتعزيز تموقعها في عمقها الإفريقي. كما شدد على أن إرساء حوكمة مؤسساتية صارمة، والاستباق في وضع آليات الصيانة، وربط المشروع بسياسة عقارية واستثمارية محفزة، من شأنه أن يحول الجغرافيا الجزائرية من قيد لوجستي إلى ميزة تنافسية مستدامة، تخدم التنمية الوطنية، وتعزز الاندماج القاري، وترسخ مقومات السيادة الاقتصادية لفائدة الأجيال القادمة.

 

الكلمة الافتتاحية لرئيس المجلس الوطني الإقتصادي و الإجتماعي و البيئي، البروفيسور محمد بوخاري
 

فيديو خاص - حول « مشروع القرن: خط السكة الحديدية الجزائر – تمنراست»
 

مجلة صحفية خاصة بالندوة :